ابن بسام

215

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

المتاح ، لينة الوبر كالسّمور ، سوداء الشعر كالديجور ، مأمونة الجيب ، بظهر الغيب ، عظيمة النفس ، لطيفة الحس ، أمينة على اللحم الموضوع ، ولو شفّها فرط الجوع ، وما خانت قطّ أمانة ، ولا رضيت يوما خيانة ، فهي عوذة الدار ، من الفار ، وعهد الأمان ، من الجرذان . قال ابن بسام : وكانت للأديب القعيني هذا جارية سوداء كلف بها ثم باعها ، وندم فحاول استرجاعها ، فزعم المبتاع أنها حامل - وللقعيني في ذلك أشعار كثيرة - فكتب أبو عبد اللّه هذا رقعة قال فيها : كشف اللّه عن قلبك أيها الأديب الحسيب رين الشهوة ، ومحا من لبّك شين الهفوة ، فعلى رأيك يعتمد من اختلفت آراؤه ، وبهديك يهتدي من أضلّ القصد ، وبه يقتدي من عدم الرشد . ونقل إليّ بعض من يعرف أحوالك ، ويشارف فعالك ، خبرا يصمّ السمع ، ويضيّق الذّرع . وذلك أنّك نبذت من يدك كرتك المتكشفة ، فتلقاها من أحمدت صولجانه ، وأخرجت عن ملكك ضفدعتك المريعة ، فتناولها من استحسنت غدرانه [ 1 ] ، وبلغك من إقبالها عليه ، وانصرافها بكلّيتها إليه ، ما أضرم قلبك شوقا لا تخبو ناره ، وسلّ الوجد بها عضبا لا ينبو غراره ، فأنشرت للناس من نفسك قيس الأخيلية [ 2 ] ، وأحييت لهم منك مجنون العامريّة ، وعضضت على بيعتها أناملك ، وأنضيت في طلبها زواملك ، وأطلت في وصف شوقك لها وأوجزت ، وقصّدت في ذكر الأسف عليها ورجزت [ 3 ] ، وجمعت لها من المحاسن ما / افترق ، وفتحت من البدائع فيها ما انغلق ، وجعلتها نبض [ 4 ] حياتك ، وموضع شكاتك ، وسعنة [ 5 ] أوطارك ، وجونة عطارك : ففيها عنبر الهند * وفيها مسك دارين وفيها قضب نعمان * وفيها كثب يبرين وفيها قامت الحرب * كما كانت بصفّين فأصبحت والظنون بك مرجّمة ، والألسنة عنك مترجمة ، والأقوال فيك كثيرة ،

--> [ 1 ] ص : غدراته . [ 2 ] حقه أن يقول : توبة الأخيلية . [ 3 ] ص : وقصرت . . . وذخرت . [ 4 ] ص : بيض . [ 5 ] ص : وحصنة ؛ والسعنة : القربة ينبذ فيها ، وربما وضعت فيها المرأة غزلها وقطنها .